الياس شوفاني
489
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
لم تكن معنية بإنقاذ يهود أوروبا ، بقدر ما كان يهمها إنقاذ المشروع الصهيوني وتوظيف مأساة يهود أوروبا في هذا السبيل . وكان طبيعيا بعد مؤتمر بلتمور ، وما نجم عنه من نقل مركز ثقل النشاط الصهيوني إلى الولايات المتحدة ، بما يعنيه ذلك من توطيد للعلاقة بين المشروع الصهيوني والاحتكارات وبيوت المال الأميركية ، وما لهذه من تأثير في واشنطن وصنع القرار فيها ، ازدياد شقة الخلاف بين المنظمة الصهيونية والحكومة البريطانية . فقد وقعت هذه الأخيرة بين مطرقة النشاط الصهيوني ، وخصوصا عبر الإدارة الأميركية ، وسندان الشعور العربي العام المعادي للأهداف الصهيونية ، الذي راح يتغذى من افتضاح النوايا الأميركية ، مذكّرا بعملية الخداع التي مارسها الحلفاء على العرب في الحرب الأولى . وتحت وطأة الضغط الصهيوني ، من جهة ، وتنامي المعارضة العربية ، من جهة أخرى ، جرى الاتفاق بين تشرشل وروزفلت على تأجيل نشر وعود الأخير للملك ابن سعود ، وعلى ضرورة إعادة النظر في القضايا المتعلقة بفلسطين شهريا . وكان روزفلت ( أيار / مايو 1943 م ) تعهد للملك السعودي بأن يعطى العرب واليهود الفرصة للتعبير عن وجهات نظرهم ، قبل اتخاذ قرارات طويلة الأمد بشأن فلسطين . وبناء على طلب وزارة الحربية الأميركية جرى التكتم على هذا الاتفاق بهدف عدم إلحاق الضرر بالمجهود الحربي للحلفاء . وكان لا بدّ للنشاط الصهيوني المكثف على الساحة الأميركية سنة 1943 ، من أن يترجم عمليا إلى مكاسب سياسية على الصعيد الرسمي . وفي مطلع سنة 1944 م ، تقدم الكونغرس الأميركي بمشروع قرار يدعم برنامج بلتمور ، عبر مجموعة من الشيوخ والنواب ، سمت نفسها لجنة فلسطين الأميركية ، وضمت 67 من أعضاء مجلس الشيوخ المئة ، و 143 من مجلس النواب ، الأمر الذي يشير إلى حجم التأييد للمشروع الصهيوني في المؤسسة الأميركية التشريعية ، والذي لا يمكن للإدارة الأميركية تجاهله . وتمخض النشاط الصهيوني عن التمهيد لقرار أميركي رسمي يعارض القيود التي تفرضها حكومة لندن على الهجرة اليهودية إلى فلسطين . لكن تدخل البنتاغون بشخص الجنرال جورج مارشال ، مدعما بموقف وزيري الخارجية والحرب ، أوقف إصدار القرار بحجة أنه يلحق الأذى « بالمجمع العسكري التدريبي والتمويني ، الضخم ، الذي أقيم في الدول العربية كجزء من الخطة الحربية . » ومع ذلك ، أوحى الرئيس روزفلت إلى بعض زعماء المنظمة الصهيونية أنهم يستطيعون التحدث باسمه عن موافقته على برنامج بلتمور ، والإفصاح أن الإدارة الأميركية لم توافق قط على الكتاب الأبيض ( 1939 م ) ، الذي يحدد الهجرة اليهودية إلى